فخر الدين الرازي

496

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار ، واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه . أحدها : هذه الآية : قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه . الأول : قوله تعالى : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئاً . الثاني : قوله تعالى : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة ، والثالث : قوله تعالى : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ولو كان محمد شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له وذلك على خلاف الآية . لا يقال الكلام على الآية من وجهين : الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك ، فالآية نزلت فيهم . الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقاً إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة ، فنحن أيضاً نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها ، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة ، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال : اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي ، ولو قال : اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجراً عن المعاصي ، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع . وثانيها : قوله تعالى : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره ، لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعاً يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع ، لأن المطاع يكون فوق المطيع ، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه اللّه تعالى ، لأنا نقول : لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين ، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه ، متفق عليه بين العقلاء . أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحداً ، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعاً لغيره ، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملًا لها على معنى لا يفيد . الثاني : أنه تعالى نفى شفيعاً يطاع ، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمراً له وحاكماً عليه ومثله لا يسمى شفيعاً فأفاد قوله : « شَفِيعٍ » كونه دون اللّه تعالى فلم يمكن حمل قوله : يُطاعُ على من فوقه فوجب حمله / على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب . وثالثها : قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [ البقرة : 254 ] ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها . ورابعها : قوله تعالى : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [ البقرة : 270 ] ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته . وخامسها : قوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه اللّه عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند اللّه تعالى ، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام ، لأنه لا قائل بالفرق .